محمد كمال شحادة

215

تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية

لنا ولمثل هذه الظنون لأنه إن كان هذا المذهب غير صحيح ، فلا خوف منه لأن العلم يبطله وإن كان صحيحا فلا يحط الإنسان من علو رتبته العقلية ذرة ، ولا يعريه من طبيعته الروحية البتة . من الأمور المقررة أن كل إنسان يتصور أولا في حويصلة كالحيوان الأبكم ويمر على صور وهيئات لا تتميز عن الصور والهيئات التي يمر عليها الحيوان الأبكم حتى لا يستطيع أحد أن يميز بينه وبين الحيوانات إذ ذاك . أينقص قدر موسى وسليمان وبولس ونيوتن وغيرهم من عظام الأنبياء والحكماء إذا قيل أنهم هم وأدنى البشر فطرة وأفحشهم طبعا يشتركون معا في ذلك . كلا . فكل إنسان قد نمى وارتقى هذا الارتقاء الطبيعي بلا ريب وكل إنسان صار ذا نفس حية في أثناء هذا الارتقاء ولكن لا أحد يعلم إلا اللّه في أي زمان تدخل النفس الحية إلى جنين الإنسان ولا كيف تدخل إليه ولا في أي زمان تصير مسؤولة لخالقها بأعمالها . والأرجح أن العلم لا يستطيع البتة أن يكشف هذا السر الغامض ولكنا لا نشك أن اللّه كان الفاعل فيه منذ البداية إلى النهاية . وإننا ذوو نفوس حية مسؤولة أمام اللّه باريها . فكما أن وجود هذا السر الغامض الذي لا يعرفه إلا اللّه لا ينفي كوننا مسؤولين أمام اللّه ، وكما أن عدم علمنا بالكيفية التي صرنا بها كائنات عاقلة لا ينفي ما هو مقرر ، أعني أننا الآن كائنات عاقلة كذلك إذا ثبت بالعلم أن الإنسان ارتقى جسده ارتقاء تدريجيا من الحيوانات التي دونه إلى الحالة التي هو عليها فلا دخل لذلك في أصل الإنسان الأول ولا يبطل كونه إنسانا ولا يرفع عنه المسؤولية التي وضعها اللّه عليه . فلا تخافوا من الحقائق ولا تظنوا أن الذين يحاولون فتح مغاليق الطبيعة طلبا للوقوف على الحق اليقين الذي فيها ، يأتونكم بما يناقض الحق . ورب قائل يقول إنك تأتينا بأمثلة من الذين بلغوا الذرى السامية التي لا يتهيأ البلوغ إليها إلا لقليلين إذ الذين ينشئون العلوم قلائل ، أقول خذ ما جئناك به مثالا